النسخة الكاملة التسجيل
::{ مجالس قبيلة هذيل }:: موقع يهتم بتراث القبيلة ومفاخرها
1 2 3 
مجلس مضارب بادية هذيل>صور الإبل في شعـر الهذليين...
عماد الهذلي 03:38 PM 05-26-2010
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الحمد لله سبحانه على ما أنعم به علينا، له الفضل والشكر ، دائما وأبدا.

أحبتي أعضاء وزوار هذا الصرح الشامخ، وهذا المنتدى الذي يحمل الأسم الأصعب في تاريخ الشعر ، والبلاغة والأدب ، كيف لا وأمهات كتبنا العربية تشهد على ما أقول، ولن أبدأ في سرد مأثر قبيلة هذيل فهي أكبر من أن تحصى في صفحات، وأجل من أن تختزل في اسطر معدودة.

حاولت جاهدا أثناء بحثي أن أدون وارصد كل ماوقعت عليه عيني ، من وصف للإبل في تاريخ هذيل، ومن خلال ديوانها "البحر"، وما غرضي إلا أن أكشف جانبا مهما من جوانب الإنسان الجاهلي، بصفة عامة، والهذلي بصفة خاصة، فهذيل قبيلة الشعر، والحرب، ولعل السمة البارزة في هذا المبحث البسيط، هي التجانس التام بين الإنسان وهذا الحيوان، حتى وصل الأمر بخلع الكثير من الأحاسيس والمشاعر المتمثلة في هيئة وشكل، وصفات "الجمل" على الإنسان نفسه.
ولقد كان للإبل أهمية خاصة في حياة الجاهليين عامة، والهذليين بصفة خاصة، وذلك لما أودعه الله سبحانه في هذا الحيوان من قوة وصلابة وجلد على تحمل الصعاب، اثناء تجاوزه للمفاوز، ومقاومته لما ألم بها من متاعب وآلام، ومن ثم فقد شاطرهم هذا الحيوان ظروف حياتهم، فأعانهم بطرق مختلفه، سواء بحمل أمتعتهم أثناء ترحالهم، أو صوره أثناء غزواتهم وقتالهم ، حتى أتخذوه شاهد صدق على بطولاتهم، فضلا عن ذلك فقد وجدوا في ألبانه ولحومه، وأوباره، مايعينهم على مقاومة مناخ حياتهم في بيئاتهم التي يعيشون فيها.
ومن هنا نبع حب الإبل، وبدأ الإهتمام والعناية بها، حتى بلغ الأمر إلى الثأر ممن يعتدي عليها. ولعل قصة الأسود بن مرة أخو أبي خراش ، وأبي جندب، وزهير بن مرة - خير شاهد، فيحكى "أن الأسود كان على ماء من داءة، وهو يومئذ غلام شاب، فورت إبل رئاب بن ناظرة من بني لحيان، فرمى الأسود ضرع ناقة منها، فغضب رئاب غضبا شديدا، وضربه بالسيف فقتله"

كما أنهم وجدوا في الإبل مجالا للفخر والتباهي، سواء من حيث نحرها للضيوف، والمحتاجين، أو من خلال منح ألبانها كذلك، في وقت يصعب على غيرهم أن يصنع صنيعهم.

وسأبد مستعينا بالله من هذه الجزئية منطلقا إلى جمع كل ما يرتبط بالإبل عند هذيل، والله الموفق.

فهذا أبو ذؤيب يصور لنا فخره وتباهيه بنحر هذا الحيوان لضيوفه،في فصل يصعب على غيره فعل ذلك، لشدة البرد وجدب الأرض،وهو بهذا يتكلفه وإنما يتكلفه من كانت له نفس خيرة، يقول:....

"الجزء (1) .ص 77.


فإنك لو ساءلت عنا فتخبري=إذا البزل راحت لاتدر عشـارها
لأنبئت أنا نجتدي الحمد إنما=تكلفه مِنَ النفوس خيارها
لنا صرمٌ ينحرن في كل شتوة=إذا ما سماء الناس قل قطارها
وسودٌ من الصيدان فيها مذانب الـ=نضار إذا لم نستفدها نعارها
لهن نشيجٌ بالنشيل كأنها= ضرائر حرميٍ تفاحش غارها
إذا استعجلت بعد الخبوّ ترازمت=كهزم الظؤار جرّعنْها حوارها


وهنا يصور لنا أبا ذؤيب نحره لقطعة من الإبل، في وقت أنعدم فيه المطر وشحت الأرض، واشتد البرد، وعاق البزل أن تدر عشارها، ((وهي صورة لشدة القحط، فالبزل حديثة الإنتاج، وعدم درها يصور القحط الشديد.)) فجاءت اصوات القدور وهي تغلي وتفور، بما فيها من لحم، كأصوات النوق اللاتي نزعن عنها أولادها.

وفي موضع آخر يصور لنا الشاعر كيفية نحره لناقته التي بادر بنحرها للأضياف أو للمحتاجين ليحظى بحمدهم وثنائهم قبل أن يناله أحد قبله، فيصف تلك الناقة بالصلابة الشديدة، حيث لاتلد إلا النوارة من الإبل- فيضرب رجلها بالسيف ليعرقبها - فماثلت صورتها في السقوط صورة ورق الشجر الجاف إثر تتابعه عند ضرب الريح له، يقول :


ومفرهة عنس قدرت لرجلها=فخرت كما تتابع الريح بالقفل
لحي جياع أو لضيف محول=أبادر حمدا أن يلج به قبلي




((ولعلي أعمد في ما سيأتي من شواهد، على أخذ المهم من الأبيات وتجاوز الترتيب في القصيدة نفسها، لبيان مانريده ، وسأحاول ذكر الجزء ورقم الصفحة، للعودة للقصيدة كاملة، إن شاء الله.)).

وفي موضع آخر يرثي أبو ذؤيب صديقا فيجعل من شمائله منح الإبل التي ماثلت "حجارة المرو" في بياضها وصلابتها - ولكي يؤكد كرم هذا الممدوح خص منيحته بوقت تذهب فيه إلبان الفزار من الإبل، اللائي كن يدررن في القر والجدب- ثم يصور لنا صعوبة هذا الوقت بصورة يرسمها للإبل الشول، وهي تسرع إسراع النعام في مشيتها لتستتر من البرد، "وهنا خص أبو ذؤيب الشول من الإبل لقلة صبرها على البرد، وذلك لخفة بطونها من أولادها"..يقول ..ج (1) ،ص 121.


المانح الأُدم كالمرو الصلاب إذا = ماحارد الخور واحتث المجاليح
وزفت الشول من برد العشي كما= زفّ النعام إلى حفّانه الروح
أما ألات الذرا منها فعاصبة= تجول بين مناقبها الاقاديح


ويذهب ابو لحيان إلى محبوبته على ناقته، فتأتي صورتها لتعبر عن طولها وضخامتها وشدتها، وتمام خلقها، ومضيْها الذي يحاكي حد السيف، وهذه الناقة تترك أثرا وتحرك راسها في زمامها عند إسراعها، ويبدو عليا النشاط والمرح عند إنطلاقها، - بل يتنوع سيرها فتارة تتسع خطاها عند حدتها، وتارة تكون سلسة في تتابعها، وعند حدتها وسرعة سيرها تحاكي الظليم في سيره وسرعته في قطيع النعام.
"ج (2)، ص 889.


فكم من جسرة وجناء حرف=مؤللةٍ تعْوب في الزمام
لعوبٍ بالملا طلق يداها= غشوم السدو مذعنة الترامي
تسوم إذا تفصد أخدعاها= كسوم الهقل في رعل النعام




يتبـع....
إضافة رد
عماد الهذلي 06:44 PM 05-26-2010
أما مليح بن الحكم، فقد أثاره رحيل القوم اللذين جاءوا للنجعة أيام الكلأ، ثم رجعوا إلى أوطانهم على إبل جاءت صورها - كما رأها الشاعر- تعبر عن قوتها وشدتها، وذلك من خلال ما أتسمت به من سمنة، ووبر يعلو أجسادها وطول رقابها، وعظم جنوبها، التي اثبتتها الأسنمة وشدتها، ثم أخذ يصور لنا سيرها وهي تحرك رؤسها أثناء السير، فتصطف في سيرها لتحاكي في عدم تثاقلها وولهها، السفن التي تجري فوق الماء، فيسوقها موج البحر وزبده.

يقول: ج (3)، ص 1009



إن الخليط الذي مادونه أحـد= عندى ولولم يكن يدرى بما أجـد
لم أخش بينهمُ والدار إن جمعت= يوما مبددة والقرب والبعد
حتى رأيتهم تعلو رحالهم= ملمومةً فوقهن النَّيُ واللبدُ
سدسا وبزلا إذا ماقام راحلها=تحصنت بشباً أطرافهُ غَرِدُ
فقل ما لبثوا حتى استمر بهم= بينٌ كعط الرداء العصب منجردُ
تحدى بهم راجفاتُ الهمَّ مجفرةٌ=غلبٌ يشد لها أثباجها القحدُ


ولمليح كذلك وصف في إبل محبوبته اثناء إرتحالها -فأتت صورة تلك الإبل مشدودة الظهر، ومصقولة الجنوب، غير ضعيفة ، ولاهزيلة، وتظهر قوتها وشدتها من خلال هيئتها وسرعتها اثناء سيرها، وأصواتها التي تحاكي أصوات الصقور.
ولم يكتفي بذلك بل أخذنا إلى أبعد من الشكلانية في الوصف، حيث صور لنا حتى حالة تلك الإبل المعنوية، وعبوسها عند خطمها، وأصوات أجوافها، وعظم بطونها، ليعود إلى الشكل مرة أخرى، بمنحنا المزيد من إشراف قوائمها، وإكتناز لحمها وشحمها، وإرتفاع كواهلها.

يقول:ج (3)، ص 1020


وماخفت ذاك البين حتى سمعتهم= تنادوا بتكبيرٍ وردّ الجمائلِ
ضحيّا فطوين الستور وقربوا= لهم كل محبوك القرا غير ناحلِ
محمْلجةِ الأثباج دفقٍ كأنما= تُغردُ ألحيها اصطرارُ الأجادلِ
إذا أوردوها بالحبال تشتمت= لهم حرباتٍ غير خرسِ الجلاجلِ
وإن رددوا فيها النسوع تباعدت= بها صُعَداَوَى كُل أحمر بازلِ
فلما دنت مِلأَرض حتى تقربت= إليها وحتى طبقت بالكلاكيلِ
وقاموا إليها باولايا فشمرت= بها قَرِداتُ النّىّ شمّ الكواهلِ


ولم تبتعد صورة وهيئة إبل المحبوبة عند ساعدة بن جؤية عن مليح كثيرا، فهذا ساعدة يرسم لنا صورة تلك الإبل أثناء سيرها، بعد بكورها فماثلت صورة السفن.
يقول: ج (3)، ص 1175



أهاجك من عير الحبيب بكورها= أجدت بليلٍ لم يُعرج أميرها
تحملن من ذات السليمِ كأنها= سفائن يمًّ تنتحيها دبورها
وكانت قذوفا بالنوى كل جانبٍ= على كل مرًّ يستمر مرورها


ويصف أبو ذؤيب الناقة التي تحمل الخمر - فجاءت صورتها تتحدث عن قوتها وصلابتها، فهي مشمرةٌ طويلة القوائم تماثل الصخرة الملساءالكائنة في مقدمة الماء.

يقول: ج (1) ص، 93


تزوّدها من أهل بصرى وغزةٍ= على جسرةٍ مرفوعة الذيلِ والكفلِ


*وهنا لم يقصد أبو ذؤيب "ذيل الناقه"،وإنما هه مثلٌ، ففي اللسان: "وذيل الفرس والبعير ونحوهما: ما أسبل من ذنبه".
بل يريد أن يقول: أن ذيلها وكفلها مشرفان، ولاذيل للناقه، إنما هو مثل، وإنما اراد أنها مشمرة طويلة القوائم....(الإمام السكري)


وهذا أمية بن أبي عائذ يخاطب رجلا، لايعرف كيفية الإهتمام بالإبل، وينفي أمية عن نفسه الإهتمام بغير الإبل، من الحيوانات الداجنة الأخرى.

يقول: ج (2)، ص 536


فإن كنتَ ذا ضأنٍ وثورٍ وجربةٍ= تحدثُ أني لم أكن أتأبلُ
ستعلم في نعت المطِى إبالتي= وشعري وإني للنجائب مُعملُ
فهل لك أو من والدٍ لك قبلنا= يرشح أولاد العشار ويِفصلُ



ويبلغ إعتزاز الهذليين بإبلهم قديما لدرجة الحلف بها.وهذا ساعدة بن جؤية...

يقول: ج (3)، ص 1101



إني وأيدِيها وكل هـديةٍ= مما تثجُّ لها ترائبُ تثعبُ


ويأتي الأعلم مخاطبا حبيشا، ومفاخرا بمالديهم من إبل كثيرة، يريحونها في مباءتها عشيا، وينزلون بها ترعى غدوة - لتأتي صورة تلك الإبل التي جُعلت للإِضياف، ولمن نزلت به نازلة من نوازل الدهر، أو لمن عليه دية ولايستطيع أدآئها، لتتجلى لنا صورة كرم الهذلي ونبل أخلاقه.

يقول: ج (1)، ص 326


أحبشيُّ إنا قد يمتعنا الغنى= بأموالنا نُرِيحُها ونسيمُها
ونحبسها على العظائم نتقي=بها دعوة الداعين إنا نقيمها






يــتبع.....
إضافة رد
عماد الهذلي 08:21 PM 05-26-2010
ومن خلال ماسبق، يتضح لنا حب الهذلي لهذا المخلوق وتولعه به، من خلال دقة وصفه له، وإسهاب النظر في دقائقه، وسأعرض صورة الحزن والأسى الشديد، لمن فقد إبله، اثناء الإغارة عليها.

فهذا ربيعة بن الجحدر يطرق مآثر مرثيته، الماثلة في غاراته على الإبل وترك أصحابها يعانون الحزن والأسى لفقدها.

يقول: ج (2)، ص 645


وذي إبلٍ فجعته بخيـارها = فأصبح منها وهو أسوانُ يائسُ
فاصبحت قد أعتقت من كل غالبٍ= طوال الذرى منها المخاض العرامسُ



ولعل من ولع العرب بالإبل وحبهم لها، مايجعلها من الأموال النفيسة والقريبة إلى قلوبهم، وهنا ساعدة بن حؤية - يعطي درسا حياتيا من خلال تجاربه، فلا يغني المرء عند الموت ولد ولا إبل كرام، شم الحوارك تحيط بها الفحول وتهدر من كل جانب، ويضيق الوادي من كثرتها، وهنا ملازمة تأملية فحب الولد يأتي بعده مباشرة حب المال، المتمثل في الإبل.

يقول: ج (3)، ص 1145



وما يغني أمرأً ولد أجمت= منيته ولا مالٌ أثيل
ولو أمست له أُدمٌ صفايا= تقرقر في طوائفها الفحول
مصعدةٌ حواركها تراها= إذا تمشي يضيقُ بها المسيل




ويصور لنا قيس بن العيزارة ناقته الكثيرة اللبن، فهي "نعوسٌ" - (لِقحَة تحمد عند الدر، إذا حُلبت نعست)، فخلفاها يتغاوثان باللبن من كثرته، فكلما حُلب أحداهما إمتلأ الآخر - فماثلت هذه الصورة صورة الكير الذي كل ما أُفرغ أحد جنبيه، إمتلأ الآخر.

يقول: ج (2)، ص607


إن النعوس بها داءٌ يخامرها= فنحْوها بصرُ العينين مخزورُ
ويلمها لقحةً إذا تأوبهم= مِسعٌ شآميةٌ فيها الأعاصيرُ
إذا تغاوث خلفاها سمعت لها= هزما كما أستجفرت في السحرةِ الكيرُ



ويأخذنا ابو قلابة إلى صورة رائعة، في المماثلة والمحاكاة الخيالية، التي تمطر شعرا، حيث يشبه الإبل وهن مصطفات أثناء سيرهن بالظعائن، بصورة الحمام أثناء وقوعه على الماء ليشرب صفا.

يقول: ج (2)، ص 711


ما إن رأيت وصرف الدهر ذو عجبٍ= كاليوم هِـزَّة أجمالٍ بأظعانِ
صفا جوانح بين التوأمات كما= صف الوقوعَ حمامُ المشرب الحاني



ولنرى دقة الملاحظة، وحسن التأمل النابع من الحب لهذا المخلوق، حيث يرصد لنا أمية بن أبي عائذ، صورا كثيرة متناهية الدقة، سواء كان في سيرها على أرض خشنة بها حجارة، أو إذا أسرعت قليلا، أو إذا عدت عدوا شديدا، فيصور لنا سيرها على الأرض الخشنة ذات الحجارة وهي تنقل قوائمها بسرعة، وإذا اسرعت شابهت الظليم في سرعته ومروره وسط أولاد النعام، وإذا عدت عدوا شديدا تنخرط كما ينخرط الحبل من فوق البكرة، إلى الماء .
كما رصد لنا هيئتها عندما تكف حدتها، ونشاطها، وعندما تسير سيرا منبسطا سهلا، وإذا سارت بحرق، وعندما تجزع فهي تثب وثبا يحاكي وثب الثور الوحشي، عند إحساسه بالخطر.

يقول: ج (2)، ص 497


فسلّ الهموم بعيرانةٍ = موشكةِ الرجع بعد النقال
ذمولٍ تزف زفيف الظــلـ=يــم شمّر بالنعف وسط الرئال
وترمد هملجةً زعزعا= كما أنخرط الحبل فوق المحال
وإن غضّ من غربها رفّدتْ= وسيجا وألوت بجلسٍ طوال
ومن سيرها العنق المسْبطر=والعجرفية بعد الكلالِ
كأني ورحلي إذا رعتها= على جَمَزَى جازىٍْ بالرمالِ



ويصور لنا أبو ذؤيب صورة ناقته من بين النوق وهن عائدات، بحدتها ونشاطها الذي يظهر من خلال كثرة مرحها وعرقها السائل بين ذفراها.

يقول: ج (1)، ص 95



فجئن وجاءت بينهن وإنه= ليمسح ذافرها تزعم كالفحـل






يــتبع......
إضافة رد
عماد الهذلي 11:01 PM 05-26-2010
والآن سنستعرض صورا من نوع آخر، تتمثل في حالة هذا الحيوان ومايعتريه من إظطراب وقلق، وسعادة، وماشابه ذلك، وكل ذلك يظهر عندما تنزع أو تموت أولادها، ورصد هذه المشاعر والأحاسيس، وخلعها على أنفسهم، فتجد المحاكاة للحالة النفسية، تظهر الكثير من الحب لهذا المخلوق.

فلنتـأمل خلع هذه الأحاسيس، على الشاعر نفسه، من خلال تصويره لحالة "الناقة عند فقدها لولدها"، فهذا أبو العيال..يتألم لفقد أخيه، ويشبه حالته بحالة تلك الناقة التي مات ولدها.

يقول : ج (1)، ص 424


ذكرت أخي فعاودني=رُداعُ السقم والوصب
كما يعتاد ذات البوَّ=بعد سلولها الطرب


كما تطرقوا للكثير من الأمراض التي تصيب هذا الحيوان، بل إنهم وجدوا في الإبل التي أصيبت ببعض الإمراض مايعبرون به عما يصادفهم في حياتهم، فكما خلعوا صور أحاسيس الإبل عليهم، هاهم يخلعون صور أمراضها على من يأتي بأمر لايقبلونه.

فهذا الأعلم يشعر بسوء إستقبال حبشي له ولأولاده، وعدم القيام بواجب الضيافة، كما يجب، فيخلع عليه صورة الإبل التي أصيبت بداء الهيام، فجنبت وأبتعدت عن مبارك الصحاح.

يقول: ج (2)، ص326


تروحت حُبيشاً فأترح إلدتي=كما زحزحت عند المبارك هيمها


وعبدالله بن أبي ثعلب أثناء حديثه، عن اللذين هربوا من مرض الطاعون، وتركوا إخوانهم، فمثلهم كمثل الإبل البيض الكرام التي فارقت إبلا أصيبت بمرض الهيام.

والهيام : داء يأخذ الإبل.

يقول: ج (2)، ص 888



فاصبحن مثل عتاق الهجـــا= ن فارقن بعدَ صحاحٍ هياما



وهذا أبو جندب يرسم لنا صورة الإبل الجرب، التي أكلت النشر بعد أن جف ثم أصابه المطر فأخضر، فصار داءً تصاب به الماشية إثر إكله، ثم خلع هذه الصورة على قومه بعد أبدوا الصلح ولكن صدورهم تخفي غير ذلك.

يقول: ج(1)، ص368


وفينا وإن قيل أصطلحنا تظاعنٌ=كما طرَّ أوبار الجراب على نشر


والإبل الجرب يحول أصحابها بينها وبين الماء دائما، ولكنها حين ترد الماء تتدافع عليه بشدة، فخلع أبو ذؤيب هذه الصورة على قومه اللذين لايهابون الموت لشجاعتهم، ولايخشون ضراوة الحرب، فهم يندفعون ويتدافعون مقدمين، كما تتدافع الإبل الجرب، حين ترد الماء لشدة عطشها، وهنا يتضح وجه الشبه، ويتجلى في الإندفاع القوي.

يقول: ج (1)، ص163


وصرّح الموت عن غلبٍ كأنهم = جُربٌ يدافعها الساقي منازيحُ


أما ساعدة بن جؤية فيمدح قوما، ويصفهم بأنهم أهل قتال، تتقي الناس شرهم، كما يُتقى البعير الذي أُصيب بداء الجرب.

يقول: ج (3)، ص1115


بذخاء كلهم إذا ما نُوكِروا= يُتقى كما يُتقى الطلىُّ الأجرب



وأستعار شعراء هذيل عيوب الإبل وأمراضها في الهجاء، بل حتى في هجاء بعضهم البعض، فهذا صخر الغي، يهجو أبو المثلم، ويظهر عجزه وعدم كفاءته له، ويصور ذلك بضرب مقارنة بين ناقتين إحداهما سليمة أكتلمت أخلاقها فحسن درها، والأخرى معيبة نقصت أخلاقها.


يقول: ج (1)، ص263


ألا قولا لعـبد الجهــل إن الصحيــ = حــة لا تحالبهــا الثلوب


وهذا بدر بن عامر يشبه قصيدته التي بعث بها إلى أبو العيال، بالناقة الحلوب، كثيرة الدر، ويشبه قصيدة أبو العيال التي رد بها عليه، بالناقة الجدباء التي لادر فيها.

يقول: ج (1)، ص413


ومنحتني جَدًّءَ حين منحتني = شَحَصَاً بمالئةِ الحلاب لبِـون



فيجد ابو العيال في صورة الناقة التي لاتدر وتأبى العصاب، مايماثل قصيدة بدر بن عامر...."تأبى العِصاب : وكانوا يعصبون فخذ الناقة لتدر"

يقول: ج (1)، ص415


ولسوف تنساها وتعلم أنها= تبعٌ لآبيةِ العِصاب زبـون



ولم يخلو شعر الهذليين من بعض الصور المعبرة، عما لاقاه، أعدائهم على إيديهم من ضرب وطعن بالرماح، والسيوف، ومايعقب ذلك من دماء حاكت صورة تناثرها وسرعة نزفها ، الإبل الشول التي تمنع أن يُنال ما تبقى من لبنها.، فتندفع بسرعة هاربة... يصور ذلك أبو جندب.

يقول: ج (1)، ص360


بطعنٍ كرمح الشول أمست غوارزا= جواذبها تأبى على المتغبر


ويصور لنا مالك بن خالد - صورة غاية في الدقة، حيث يصور لنا ماتقذفه الطعنة من رشاش الدم، برشاش البول الذي تدفعه الإبل الحوامل.

يقول: ج (1)، ص472


بطعنٍ كأبزاغ المخاض رشاشه= وضرب كتشقيق الحصير المشققِ


وصورة الأبل عند فزعها وفرارها لرؤية مايخيفها، صورة خلعها عبدمناف بن ربع، على اللذين هزموا وطردوا حتى لجأوا إلى ثنيةٍ في جبل.

يقول: ج(2)، ص675


حتى إذا اسلكوهم في قتائدةٍ= شلا كما تطرد الجمالة الشُردا


ويصور أبو قلابة سرعة قومه، ويقارنها بسرعة الإبل النوازع إلى أوطانها.

يقول: ج (2)، ص719


ومنّا عصبة أخرى سراعا=زفتها الريح كالسنن الطرابِ


ويجد ربيعة بن الجحدر، هيئة قومه عند إقابلهم، مايشبه صورة الإبل التي أقبلت على الماء بعد خامس يوم من صدورها.

يقول: ج (2)، ص644



إذا قلت قد كعكعتهم يردونني= كما ترد الحوض النهالُ الخوامس





هذا والله أعلم، أتمنى أن أكون وفقت ولو في طرح جزء بسيط، من هذا التراث الخالد، وأتمنى أن أكون وفقت كذلك في التعليق والشرح، والتبسيط، واسأل الله أن يجعله خالصا لوجه الكريم، فما كان القصد إلا البيان وتوضيح، ومكانة الإبل عند العرب وعند الهذليين بشكل خاص قديما، وحبهم لهذا المخلوق الذي داعانا الله سبحانة إلى التأمل في هيئته، وصفاته قال سبحانه ((أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)).
فإن وفقت فماتوفيقي إلا بالله جل في علاه، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.



_____________________________

المراجع:

1- شرح أشعار الهذليين، صنعة الإمام السكري.
2-صور الطبيعة في شعر الهذليين، رسالة دكتوراه، جامعة الأزهر.
3-أحوال التراكيب في شعر الهذليين، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر.
4-الكنايات في شعر الهذليين، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر.
5-تشبيهات الهذليين، رسالة دكتوراه، جامعة الأزهر.
6- المجمل في حياة الإبل
7- مجلة العرب العدد الثاني ¯ 1988 ¯ الرياض‏ 2
8-الابل في النظرة الاعجازية ¯ مجلة الوعي الاسلامي ¯ نيسان 1989‏- 3

إضافة رد
فتى الحجاز 12:21 AM 05-27-2010
بيض الله وجهك يابو معتوق مجهود اكثر من رائع وبحث مميز منك والله استفدت من هذا البحث شي كثير وتستحق اعلى تقييم يارفيقي
إضافة رد
عماد الهذلي 12:41 AM 05-27-2010
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فتى الحجاز:
بيض الله وجهك يابو معتوق مجهود اكثر من رائع وبحث مميز منك والله استفدت من هذا البحث شي كثير وتستحق اعلى تقييم يارفيقي
وجهك ابيض يابن العم، هذا ما أرجوه، نفع الله بي وبك وبالجميع.

تقييمك على راسي سلمت


تحية طيبة
إضافة رد
حامد السالمي 12:58 AM 05-27-2010
مبحث رائع ، وجهد مشكور ، وتتبع رائع للشواهد الشعرية الدالة على مكانة الإبل لدي الهذليين ،وشهرتهم بالإبل وإقتنائها وحبها منذ العصر الجاهلي ، مما يدل على عراقتهم ومعرفتهم بها وولعهم بها ، وهذا التاريخ شاهد عدل لا يعرف المجاملة في الحقائق ، خاصة ما تحتويه الوثائق الشعرية الصريحة في ديوان الهذليين للسكري ، الذي وثق وحفظ هذه الشواهد. لتكون شاهدا منصفا ...

جزاك الله خيرا أخي الباحث الجليل عماد العبيدي الهذلي وكثر الله من أمثالك وحفظك بحفظه ، وتقبل تقييمي لموضوعك الحصري القيم ، ولشخصك الكريم نظير هذا البحث والجهد المبذول.
إضافة رد
حامد السالمي 01:05 AM 05-27-2010
يثبت
إضافة رد
عماد الهذلي 01:07 AM 05-27-2010
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الفارس حزين الطلعة:
مبحث رائع ، وجهد مشكور ، وتتبع رائع للشواهد الشعرية الدالة على مكانة الإبل لدي الهذليين ،وشهرتهم بالإبل وإقتنائها وحبها منذ العصر الجاهلي ، مما يدل على عراقتهم ومعرفتهم بها وولعهم بها ، وهذا التاريخ شاهد عدل لا يعرف المجاملة في الحقائق ، خاصة ما تحتويه الوثائق الشعرية الصريحة في ديوان الهذليين للسكري ، الذي وثق وحفظ هذه الشواهد. لتكون شاهدا منصفا ...

جزاك الله خيرا أخي الباحث الجليل عماد العبيدي الهذلي وكثر الله من أمثالك وحفظك بحفظه ، وتقبل تقييمي لموضوعك الحصري القيم ، ولشخصك الكريم نظير هذا البحث والجهد المبذول.
حيالله أديبنا، وروح هذه المجالس، فارسنا وفارس الكلمة \ حامد السالمي

وجميع ماقلته، صحيح، ونحن لسنا في حاجة أن يشهد لنا أحد، فيكفينا التاريخ، شاهدا.

وجزيت خيرا يا أيا خالد، نحن لازلنا نتلعم من أمثالك العطاء، وتقييمك على راسي، استاذي.


تحية طيبة
إضافة رد
فارس الصحـراء 01:26 AM 05-27-2010
كم كنت مشتاق لكي اكون اول من يعانق التعليق على هذا المبحث الفخم والرائع ..

بحق انك مثال للشاعر الهذلي الاصيل الذي يحتذا به ويفتخر ..

لله درك ياعماد الشعر ..

هكذا كانوا الهذليين الاوائل ..

وهكذا سيكون احفادهم الاشاوس ..

مبحث رائع عن اهم ممتلكات المجتمع الهذلي البدوي ..

الذي عشق ناقة الى حد الجنون .. فهي سلوته وانسه .. وهي ركوبته .. وحلوبته .. وجلوبته ..

فبها يتنقل .. وبها يغزو .. ومنها يسد رمقه وجووعه .. فمن جلودها كانت معظم اغراضه واغراض منزله ..

ومن وبرها كان لباسه و مقتنياته ..

مثلهم مثل ابناء صحراء العرب ..


اخي عماد العبيدي .. موضوع يستحق التقييم .. والاشاده .. والتثبيت ..

وبل و ياحبذا يوضع في بنر مستقل ..

هنيئاً لنا بك ..

الف الف شكر لك ..



تح ـــــــــــياتي
إضافة رد
عباد الهذلي 01:30 AM 05-27-2010


بارك الله فيك ..

بحث ممتاز وآسئل لله الكريم آن ينفع بـه آبناء هـذيل وكل زائر لهذا المنتدى ...

مشكور يابن معتوق ...

إضافة رد
بث تجريبي 01:43 AM 05-27-2010
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بيض الله وجهك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ياعماد الشعر والأدب
عمل جبار مميز وأنت لا ترضي بما دون التميز
جزاك الله خيرالجزاء بكل أمانة جهود تذكر وتشكر
بارك الله فيك ياولد العم
تقديري وإحترامي
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةنقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةنقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


إضافة رد
مطرفي الدلم 01:48 AM 05-27-2010
ياسلام ياسلام

بحث لايعلى عليه الله يبيض وجهك يابن العم بحث ماعليه كلااااااام

تستاهل التقييم .

تحياتي .
إضافة رد
بن عادي 03:40 AM 05-27-2010
سلمت يابو معتوق


وبيض الله وجهك يالغالي


بحث رائع ومهم جدا


وبارك الله فيك وفي جهودك


كل الشكر يامبدع
إضافة رد
فواز السعيدي 03:55 AM 05-27-2010
سلمت يداك يابو معتوق

بحث وافي


بيض الله وجهك


تحيااااتي
إضافة رد
1 2 3 
إضافة رد Up